محمد الداوودي

229

طبقات المفسرين ( داودي )

وكان يملي في ناحية وأبوه مقابلة ، وكان يحفظ ثلاثمائة ألف بيت شاهدا في القرآن ، وكان يملي من حفظه ، لا من كتاب . ومرض يوما فعاده أصحابه ، فرأوا من انزعاج والده عليه أمرا عظيما فطيبوا نفسه ، فقال : كيف لا أنزعج وهو يحفظ جميع ما ترون ؟ وأشار إلى خزانة مملوءة كتبا . وكان مع حفظه زاهدا متواضعا ، حكى الدّارقطنيّ أنه حضره في إملاء فصحف اسما في إسناد . قال الدارقطني : فأعظمت أن يحمل عن مثله في فضله وجلالته [ وهم « 1 » ] فلمّا انقضى المجلس تقدمت إليه ، وذكرت له ذلك ، وانصرفت . ثم حضرت المجلس الآتي فقال للمستملي : عرّف الجماعة أنّا صحّفنا الاسم الفلانيّ لما أملينا كذا في المجلس الماضي ، ونبّهنا ذلك الشاب على الصواب ، وهو كذا ، وعرّف ذلك الشاب أنا رجعنا إلى الأصل ، فوجدناه كما قال . وكان يحفظ مائة وعشرين تفسيرا بأسانيدها . وقال أبو الحسن العروضي : اجتمعت أنا وأبو بكر بن الأنباري عند الرّاضي باللّه على الطعام - وكان الطبّاخ قد عرف ما يأكل - فكان يطبخ له قليّة ، يابسة ، قال : فأكلنا نحن من ألوان الطعام وأطايبه ، وهو يعالج تلك القليّة ، ثم فرغنا وأتينا بحلواء ، فلم يأكل منها ، وقمنا إلى الخيش ، فنام بين الخيشين ، ونمنا نحن في خيشين ولم يشرب ماء إلى العصر ، فلما كان العصر قال لغلام : الوظيفة فجاءه بماء من الحب « 2 » وترك المزمّل بالثلج ، فغاظني ذلك ، فصحت ، فأمر الراضي بإحضاري ، وقال : ما قصّتك ؟ فأخبرته ، وقلت : هذا

--> ( 1 ) من تاريخ بغداد للخطيب البغدادي . ( 2 ) الحب ، بضم الماء : إناء معروف للماء .